نص خطاب وزيرة الخارجية الأميركية هيلاري رودام كلينتون
الوزيرة تقول إن التدفق الحر للمعلومات يقوي المجتمعات عن حرية الإنترنت
وزيرة الخارجية كلينتون: شكرا جزيلا لك يا ألبرتو، ليس على هذه التقدمة اللطيفة فحسب، وإنما أيضا على الدور القيادي الذي تؤديه أنت وزملاؤك في هذه المؤسسة المهمة. وإنه من دواعي سروري أن أكون هنا في النيوزيام (متحف الأخبار). إن النيوزيام يعتبر شاهدا على بعض أكثر حرياتنا قيمة، وإنني ممتنة أن سنحت هذه الفرصة لي للحديث عن تلك الحريات وكيفية تطابقها مع تحديات القرن الـ21.
ورغم أنني لا أستطيع رؤيتكم جميعا، نظرا لأنه ضمن إعداد مثل هذه الجلسة تكون الأضواء موجّهة نحو عينيّ (المتحدث)، وتكونوا أنتم في المساحة غير المضيئة، رغم ذلك فإنني أعلم أن بين الموجودين العديد من الأصدقاء والزملاء السابقين. وإنني أود الإشادة بشارل أوفرباي رئيس مجلس إدارة منتدى الحرية هنا في النيوزيام؛ والسناتور ريتشارد لوغار* والسناتور جو ليبرمان، زميليّ السابقيْن في مجلس الشيوخ اللذين سعى كلاهما من أجل تمرير قانون ضحايا الرقابة الإيرانية الذي عبر عن التزام الكونغرس والشعب الأميركي بحرية الإنترنت، وهو الالتزام الذي يتجاوز الخطوط الحزبية وفروع الحكومة.
ولقد أّبلغت أيضا بأن بين الحاضرين هنا: السناتور سام براونباك، والسناتور تد كوفمان، والنائبة لورتا سانشيز: والعديد من أعضاء السلك الدبلوماسي- السفراء والقائمين بالأعمال؛ ومن المشاركين في برنامج وزارة الخارجية لتدريب القيادات من الزوار الدوليين على حرية الإنترنت، وهم من الصين وكولومبيا وإيران ولبنان ومولدوفا. كما أود الإشادة بوولتر إيزاكسون، رئيس معهد آسبن الذي عّين مؤخرا في مجلس محافظي الإذاعات الموجهة، وهو بالطبع من الناشطين في دعم مهمة حرية الإنترنت التي يقوم بها معهد آسبن..
هذا خطاب مهم حول موضوع مهم، ولكن قبل أن أبدأ، أود أن أتحدث باختصار عن هايتي، لأنه خلال الثمانية أيام الماضية تضافرت شعوب العالم مع شعب هايتي لمواجهة مأساة بدرجات مروعة. إن منطقتنا من العالم قد تلقت نصيبها من المشاق، ومع ذلك فقد حدثت بعض المواقف التي لم يسبق لها مثيل أمام الوضع الذي نواجهه في بورت أو برنس. شبكات الاتصالات لعبت دورا مهما في استجابتنا. لقد تعرضت بالطبع لتلف أو تدمير معظمها وفي بعض المناطق دُمرت تماما. وخلال الساعات التي أعقبت الزلزال تعاونا مع شركائنا في القطاع الخاص، أولا لشن حملة الرسائل القصيرة عبر الهواتف المحمولة من أجل التبرع لهايتي، بحيث يتمكن مستخدموها في الولايات المتحدة من التبرع لجهود الإغاثة عن طريق تلك الرسائل. وكانت تلك المبادرة دليلا معبرا عن كرم الشعب الأميركي، وقد نجحت حتى الآن في جمع أكثر من 25 مليون دولار لجهود إعادة الإعمار.
ولعبت شبكات المعلومات أيضا دورا مهما على أرض الواقع. فحينما التقيت مع الرئيس بريفال في بورت أو برنس يوم السبت، كان على قمة أولوياته محاولة إصلاح الاتصالات وإعادتها إلى العمل. فحكومته، أو على الأصح ما بقي منها، لم تكن قادرة على التخاطب فيما بينها، وكذلك المنظمات غير الحكومية، وقياداتنا المدنية، وقياداتنا العسكرية، وكلها تضررت بدرجة حادة. فقام مجتمع التكنولوجيا بإعداد خرائط تفاعلية لمساعدتنا على تحديد الاحتياجات والموارد المستهدفة. ويوم الاثنين انتشل فريق البحث والإنقاذ الأميركي سيدتين وطفلة عمرها 7 سنوات من تحت أنقاض سوق تجاري منهار بعد تلقي رسالة قصيرة منهم عبر الهاتف المحمول يطلبون فيها النجدة. والآن فإن هذه الأمثلة تعتبر دلائل واضحة على ظاهرة أوسع نطاقا.
إن انتشار شبكات المعلومات يشكل حاليا جهازا عصبيا جديدا لكوكبنا. فحينما يحدث شيء في هايتي أو في هونان، فإننا جميعا نعرفه في التو واللحظة، من الأناس الحقيقيين، ويكون بمقدورنا الاستجابة في الوقت الحقيقي المناسب أيضا. إن الأميركيين يتوقون إلى تقديم المساعدة في أعقاب الزلزال والفتاة والسيدتين اللاتي كن محصورات تحت أنقاض المركز التجاري استطعن التواصل بأساليب لم يكن من الممكن تخيلها منذ عام مضى، أو منذ جيل مضى. والمبدأ نفسه ينطبق حاليا على الإنسانية جمعاء تقريبا. وفيما نجلس الآن هنا، فإن أي شخص منكم، أو ربما يكون على الأرجح أي شخص من أبنائكم، يمكن أن يستخدم أحد الأدوات التي يحملها الكثيرون معهم، يوميا، لنقل هذا الحديث إلى بلايين الناس في جميع أرجاء العالم.
والآن، فإن المعلومات في العديد من جوانبها وأبعادها لم تكن على الإطلاق أكثر حرية مما هي عليه الآن. فالآن تتوفر وسائل أكثر لنشر الأفكار لمزيد من الأشخاص تزيد عما كان متوفرا في أي لحظة سابقة من التاريخ. وحتى في الدول الاستبدادية فإن شبكات المعلومات تساعد الشعوب في اكتشاف حقائق جديدة وتجعل الحكومات عرضة للمساءلة والمحاسبة بدرجة أكبر.
وخلال زيارته للصين في شهر تشرين الثاني/نوفمبر، على سبيل المثال، عقد الرئيس أوباما اجتماعا جماهيريا كان يُبث في الوقت نفسه على الإنترنت، لكي يسلط الضوء على أهمية الإنترنت. وفي إجابته عن سؤال وجّه إليه عن طريق الإنترنت، دافع الرئيس عن حق الناس في الحصول على المعلومات بحرية وقال إنه كلما ازدادت حرية تدفق المعلومات كلما أصبح المجتمع أقوى. وتحدث الرئيس عن أن حرية الحصول على المعلومات تساعد المواطنين على محاسبة حكوماتهم، وخلق أفكار جديدة وتشجع روح الابتكار والإقدام على المشروعات التجارية. إن إيمان الولايات المتحدة بهذه الحقيقة الأساسية هو ما دفعني للحضور هنا اليوم.
ذلك لأنه في خضم هذه الزيادة الكبيرة التي لم يسبق لها مثيل في وسائل الاتصال، ينبغي أن ندرك أيضا أن هذه التقنيات لا تعتبر كلها نعما لا تشوبها شائبة. فهذه الأدوات يجري استغلالها من أجل تقويض التقدم البشري والحقوق السياسية. وتماما مثلما يكون من الممكن استخدام الفولاذ إما في بناء المستشفيات أو في صناعة الأسلحة، أو استخدام الطاقة النووية في تزويد المدن بالطاقة أو في تدميرها، فإن شبكات المعلومات الحديثة والتقنيات التي تدعمها يمكن تسخيرها في الخير أو في الشر. فالشبكات نفسها التي يمكن أن تساهم في تنظيم حركات التحرر، يمكن أن تمكّن القاعدة من بث الكراهية والتحريض على العنف ضد الأبرياء. والتقنيات التي يُحتمل أن تكون قادرة على فتح الطريق للوصول إلى الحكومة وتشجيع الشفافية والوضوح، من الممكن أيضا أن تخترقها الحكومات لتستخدمها في قمع المنشقين عليها والحرمان من حقوق الإنسان.
وخلال العام الماضي شهدنا تفاقما في الأخطار والتهديدات المحدقة بحرية تدفق المعلومات. ففي الصين وتونس وأوزبكستان ازدادت الرقابة على الإنترنت. وفي فيتنام، اختفت فجأة مواقع الشبكات الاجتماعية. ويوم الجمعة الماضي في مصر، تم احتجاز 30 من أصحاب المدونات الإلكترونية والناشطين. وواحد من أفراد تلك المجموعة، وهو باسم سمير، الذي لم يعد في السجن الآن والحمد لله، موجود معنا هنا اليوم. هذا وفي حين أن من الواضح أن انتشار تلك التكنولوجيات يعمل على تغيير العالم، فلا يزال من غير الجلي ما لذلك التغيير من كيفية في التأثير على الحقوق الإنسانية وخير البشر وسكان العالم.
فالتكنولوجيات الجديدة، بحد ذاتها، لا تنحاز إلى أي جانب في الصراع من أجل الحرية والتقدم. إلا أن الولايات المتحدة تفعل ذلك. فنحن نقف في صف إنترنت واحدة تتمتع الإنسانية كلها عبرها بوصول متساو إلى المعرفة والأفكار. ونحن ندرك أن بنية العالم المعلوماتية الأساسية ستصبح ما ما نصنع نحن وغيرنا ونجعله. والآن، ربما كان هذا التحدي جديدا، إلا أن مسؤوليتنا في ضمان التبادل الحر للأفكار يعود إلى مولد جمهوريتنا. فكلمات التعديل الأول لدستورنا محفورة في لوحة رخامية من ولاية تنيسي زنتها 50 طنا منصوبة أمام هذا المبنى. وقد عمل كل جيل من أجيال الأميركيين على حماية القيم المنقوشة في الحجر.
زاد فرانكلين روزفلت البناء على هذه الأفكار عندما ألقى خطاب "الحريات الأربع" في العام 1941. في ذلك الوقت، واجه الأميركيون موكبا من الأزمات وأزمة ثقة. إلا أن رؤيا عالم يتمتع فيه كل الناس بحرية التعبير وحرية العبادة والحرية من الحاجة والحرية من الخوف سمت على كل مشاكل ذلك الزمن وتجاوزتها. وبعد عدة سنوات عملت إحدى من أعتبرهن بطلاتي، وهي إليانور روزفلت، من أجل تبني هذه المبادي كحجر زاوية في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان. وشكّلت منذ ذلك الحين نجما هاديا لكل جيل لاحق، يرشدنا ويحفزنا ويمكننا من التحرك والمضي قدما في مواجهة الشك والمجهول.
وهكذا فإن علينا في الوقت الذي تندفع فيه التكنولوجيا في تقدمها أن نعود بفكرنا إلى الوراء في هذه التركة التراثية. علينا أن نوازن بين تزامن التقدم التكنولوجي وبين مبادئنا. وقد تحدث الرئيس أوباما في تقبله جائزة نوبل عن الحاجة إلى بناء عالم يقوم فيه السلام على الحقوق والكرامة المتأصلة لكل فرد. وتحدثت أنا بعد ذلك بأيام في خطابي عن حقوق الإنسان في (جامعة) جورجتاون عن الكيفية التي نجد بها السبل الكفيلة بجعل الحقوق الإنسانية أمرا واقعا. واليوم نجد أن هناك حاجة ملحة لحماية هذه الحريات على الجبهة الرقمية للقرن الحادي والعشرين.
هناك شبكات عديدة أخرى في العالم. بعضها يساعد في حركة الناس والمصادر، والبعض ييسر التبادل بين الأفراد ذوي الاهتمامات والمصالح المماثلة. إلا أن الإنترنت شبكة تجسّم قوة وإمكانية الأخريات كلها، ولهذا السبب نعتقد أن من المهم جدا ضمان تمتع مستخدميها بحريات أساسية معينة. حرية التعبير لها الأولوية بينها. ولم يعد تعريف هذه الحرية مقتصرا فقط على ما إذا كان باستطاعة المواطنين أن يذهبوا إلى ساحة المدينة وينتقدوا حكومتهم دون خوف أو خشية من عقاب. فالمدونات والبريد الإلكتروني وشبكات التواصل الاجتماعي والرسائل النصّية فتحت منتديات جديدة لتبادل الأفكار وخلقت أهدافا جديدة للرقابة.
وإذ أتحدث إليكم اليوم، يعكف الرقباء الحكوميون في مكان ما عاملين بغضب على محو كلامي من سجلات التاريخ. لكن التاريخ نفسه شجب هذه الأساليب. قبل شهرين كنت في المانيا للاحتفال بالذكرى السنوية العشرين لسقوط جدار برلين. وأشاد القادة الذين حضروا الاحتفال مكرمين شجاعة الرجال والنساء الذين كانوا في الطرف الأبعد من الحاجز وجعلوا قضية هادفة ضد القمع من خلال توزيع كتيبات صغيرة عرفت باسم "ساميزدات." مثل هذه المنشورات شككت في دعاوى ونوايا الدكتاتوريات في الكتلة الشرقية، ودفع كثيرون من الناس ثمنا باهظا لتوزيعهم تلك الكتيبات. لكن كلماتها ساعدت على خرق الجدار الإسمنتي والأسلاك الشائكة والستار الحديدي.
مثّل جدار برلين عالمين منقسمين وحدد عصرا بكامله. أما اليوم فتوجد بقايا من ذلك الجدار في هذا المتحف، أي في مكانها الملائم، وحيث البنية الأساسية الأيقونية الجديدة في عصرنا هي الإنترنت. فهي بدلا من الانقسام تمثل التواصل. غير أنه حتى مع انتشار الشبكات في البلدان حول العالم فإن جدرانا عملية بدأت تقام بدلا من الجدران المنظورة.
فقد أقام بعض البلدان حواجز إلكترونية لمنع أهلها من الوصول إلى أجزاء من الشبكات العالمية. ومحوا الكلمات والأسماء والعبارات من نتائج محركات البحث. انتهكوا خصوصية المواطنين الذين يتعاطون التعبير السياسي اللاعنفي. وهذه الأعمال تتناقض مع الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي يبلغنا بأن لكل الناس الحق في السعي في سبيل المعلومات والأفكار وتلقيها ونشرها من خلال وسائل الإعلام دون اعتبار للحدود. ومع انتشار هذه الممارسات التقييدية هناك ستار معلومات جديد يطبق على جزء كبير من العالم. وزيادة على هذا التقسيم هناك أشرطة الفيديو الجرثومية ومنشورات المدونات التي أصبحت "ساميزدات" عصرنا.
وكما حدث في زمن دكتاتوريات الماضي صارت الحكومات تستهدف المفكرين المستقلين الذين يستخدمون هذه الأدوات. ففي المظاهرات التي أعقبت الانتخابات الرئاسية في إيران أظهر شريط فيديو مغبش من تصوير هاتف خلوي جوال القتل الدامي لامرأة شابة وكان بمثابة لائحة اتهام رقمية لوحشية الحكومة. وشهدنا تقارير مفادها أن الإيرانيين الذين يعيشون في الخارج عندما ينتقدون قادة بلادهم على الإنترنت يتعرض أفراد أسرهم في إيران للانتقام. إلا أنه على الرغم من حملة الترهيب المكثفة التي تشنها الحكومة، لا يزال المواطنون والصحفيون الشجعان في إيران مستمرين في استخدام التكنولوجيا لإطلاع العالم ومواطنيهم على ما يحدث في داخل بلادهم. ولقد ألهم الشعب الإيراني العالم بدفاعه عن حقوقه الإنسانية، وحددت شجاعته كيفية استخدام التكنولوجيا لنشر الحقيقة وفضح الإجحافات.
تدرك المجتمعات كلها أن لحرية التعبير حدودا. فنحن لا نتسامح مع أولئك الذين يحرضون الآخرين على العنف من أمثال عملاء القاعدة الذين يستخدمون الإنترنت في هذه اللحظة بالذات للترويج للقتل الجماعي للناس الأبرياء عبر العالم. وأحاديث الكراهية التي تستهدف الأفراد على أساس العرق والدين والإثنية والجنس مرفوضة وتستحق الشجب. ومما يؤسف له أن هذه المسائل تحديات متنامية ينبغي للمجتمع الدولي أن يتضافر في مجابهتها. وعلينا أن نتعامل أيضا مع مشكلة الأحاديث الصادرة عن مجهولين. فإن أولئك الذين يستخدمون الإنترنت لتفريخ الإرهابيين أو يوزعون الملكية الفكرية المسروقة لا يستطيعون أن يفصلوا أفعالهم على شبكة الإنترنت عن هوياتهم في العالم الفعلي. لكنه لا ينبغي لهذه التحديات والمشاكل أن تتخذ ذريعة عند الحكومات كي تنتهك بانتظام حقوق وخصوصية أولئك الذين يستخدمون الإنترنت لأغراض سياسية سلمية.
إن حرية التعبير قد تكون أكثر الحريات الظاهرة لمواجهة التحديات مع انتشار التكنولوجيا الجديدة، ولكنها ليست الوحيدة. فحرية العبادة أيضا تعبر عادة عن حقوق الأفراد في التواصل أو عدم التواصل مع خالقهم. وهذا سبيل لا يعتمد على التكنولوجيا. لكن حرية العبادة تعبر أيضا عن الحق العام الشامل في التجمع والالتقاء مع أولئك الذين يتشاطرون نفس القيم والرؤيا ذاتها للإنسانية. وقد اتخذت تلك اللقاءات في تاريخنا نحن شكل التجمع في الكنائس وفي المعابد وفي المساجد. واليوم يمكن أن تكون تحدث على الشبكة العنكبوتية.
فالإنترنت قادرة على المساعدة في جسر الفجوات التي تفصل بين الناس مختلفي الأديان. وكما قال الرئيس في القاهرة، الحرية الدينية أساسية لقدرة الناس على العيش معا. وإننا إذ نتطلع إلى توسيع مجال الحوار، تقدم الإنترنت وعدا هائلا لذلك. وقد بدأنا فعلا في إقامة اتصال الطلاب في الولايات المتحدة مع الشبان في المجتمعات الإسلامية حول العالم وبحث التحديات العالمية. وسنواصل استخدام هذه الأداة لتبني النقاش بين الأفراد من مختلف الطوائف الدينية.
غير أن بعض الدول اختارت أن تجعل من الإنترنت أداة تستهدف بها أتباع الأديان وتسكتهم. من قبيل المثال على ذلك أن رجلا أمضى شهورا في السجن في السعودية لأنه دوّن على الإنترنت عن المسيحية. وأفادت دراسة أعدتها جامعة هارفرد أن الحكومة السعودية حجبت صفحات مواقع كثيرة على الإنترنت تتحدث عن الهندوسية واليهودية والمسيحية وحتى عن الإسلام. وهناك بلدان بينها فيتنام والصين تستخدم أساليب مماثلة للحد من الوصول والاطلاع على المعلومات الدينية.
ومثل ما أنه يجب عدم استغلال هذه التكنولوجيات للمعاقبة على التعبير السياسي السلمي، يجب أن لا تُستخدم أيضا لاضطهاد أو إسكات الأقليات الدينية. فإن الصلوات ستنتقل دائما على شبكات أسمى، لكن تكنولوجيات الاتصال، كشبكة الإنترنت ومواقع التواصل الاجتماعي، يجب أن تعزز قدرة الأفراد على العبادة كما يرون مناسبا لهم، وأن يلتقوا مع بني دينهم وأن يتعلموا المزيد عن أديان الآخرين. إن علينا أن نعمل للدفع قدما بحرية التعبد على الإنترنت، تماما كما نفعل في مجالات أخرى من مجالات الحياة.
إن هناك بالطبع مئات ملايين الناس الذين يعيشون من دون التمتع بفوائد هذه التقنيات. في عالمنا هذا، كما قلت عدة مرات، يمكن للمواهب أن تكون قد وزعت بصورة تشمل الجميع، ولكن الفرص ليست كذلك. ونحن نعرف من خبرتنا الطويلة أن الترويج للتنمية الاجتماعية والاقتصادية – في بلدان يفتقر فيها الناس إلى قدرة الوصول إلى المعرفة وإلى الأسواق وإلى رأس المال والفرص – يمكن أن تكون مثيرة للإحباط بل ويمكن أن تكون أحيانا عملا لا طائل من ورائه. وفي هذا الإطار، فإن بمقدور الإنترنت أن تكون بمثابة عامل عظيم يساوي بين الجميع. فعن طريق تزويدها الناس بقدرة الوصول إلى المعرفة والأسواق المحتملة، يمكن لشبكات الإنترنت أن توجد الفرص حيث لا توجد مثل هذه الفرص.
على مدى العام الماضي، رأيت هذا بصورة شخصية مباشرة. ففي كينيا، حيث شهد المزارعون مداخليهم تتزايد بما قد يصل إلى 30 بالمئة منذ أن بدأوا باستغلال تقنية الأعمال المصرفية على الهواتف الجوالة. وفي بنغلادش، حيث سجل أكثر من 300,000 شخص أسماءهم لتعلم الإنجليزية بواسطة هواتفهم الجوالة. وفي منطقة جنوب الصحراء الأفريقية الكبرى حيث تستعمل النساء من صاحبات مشاريع الأعمال الإنترنت للوصول إلى القروض الصغيرة وربط أنفسهن بالأسواق العالمية.
هذه الأمثلة على التقدم يمكن تكرارها في حياة بلايين الناس الجاثمين في قاع السلم الاقتصادي العالمي. وفي العديد من الحالات، يمكن للإنترنت والهواتف الجوالة وغيرها من تقنيات الربط بالشبكات أن تقدم للنمو الاقتصادي ما قدمته الثورة الخضراء للزراعة. إن بالإمكان الآن تحقيق نتائج كبيرة جدا بفضل معطيات متواضعة. وقد تبينت دراسة أجراها البنك الدولي أنه في دولة نامية عادية، أدى تزايد نسبة الوصول إلى الهواتف الجوالة بـ 10 بالمئة فقط إلى زيادة بلغت حوالي 1 بالمئة في الناتج القومي الإجمالي للشخص في تلك الدولة.. وإذا ما وضعنا هذا في إطاره المناسب، فإن ذلك بالنسبة إلى بلد كالهند سيترجم إلى زيادة تصل إلى 10 بلايين دولار سنويا.
إن الارتباط بشبكات المعلوماتية العالمية هو كما طريق الدخول إلى الحداثة. في السنوات الأولى لهذه التقنيات، اعتقد كثيرون أنها ستقسم العالم إلى أثرياء وفقراء. ولكن هذا لم يحدث. هناك أربعة بلايين هاتف جوال مستعملة اليوم. الكثير منها في أيدي صغار الباعة في الأسواق أو الذين يعملون في جرّ العربات الصغيرة المعروفة في آسيا وغيرهم من الذين يفتقرون تاريخيا إلى قدرة الوصول إلى التعليم والفرص. لقد أصبحت شبكات المعلومات عامل مساواة عظيما بين الجميع، وعلينا استعمالها معا للمساعدة في انتشال الناس من الفقر ومنحهم القدرة على التحرر من الحاجة والعوز.
إن لدينا كل الأسباب التي تدعونا لأن نكون آملين حيال ما يمكن للناس أن يحققوه حين يستغلون شبكات الاتصالات وتقنيات الشبكات لتحقيق التقدم. ولكن لا يجب أن يغيب عن بالنا للحظة أن البعض يستعملون وسوف يواصلون استعمال شبكات المعلومات العالمية لأغراض سوداوية خبيثة. فالمتطرفون العنيفون وكارتيلات الإجرام ومرتكبو الجرائم الجنسية والحكومات السلطوية كلهم يسعون لاستغلال شبكات المعلومات العالمية هذه لمصالحهم الخاصة. فكما استغل الإرهابيون انفتاح مجتمعاتنا من أجل تنفيذ مؤامراتهم، فإن المتطرفين العنيفين يستعملون الإنترنت للدعوة للتطرف والترهيب. وفي الوقت الذي نعمل فيه على الدفع قدما بالحريات، فإن علينا أيضا أن نعمل ضد أولئك الذين يستعملون شبكات الاتصال كأدوات للتعطيل والترويع.
ينبغي أن تكون لدى الحكومات والمواطنين الثقة بأن الشبكات التي هي في صلب أمنها القومي ورخائها الاقتصادي هي شبكات آمنة وقوية. إن هذا يتعلق بأكثر من مجرد المقتحمين التافهين الذين يقومون بتشويه المواقع الإنترنتية. فقدرتنا على القيام بالأعمال المصرفية على الإنترنت، واستعمال التجارة الإلكترونية والحفاظ على مئات بلايين الدولارات من حقوق الملكية الفكرية كلها تكون في خطر إن لم نكن قادرين على الاعتماد على أمن شبكات المعلوماتية لدينا.
إن تعطيل هذه الأنظمة يتطلب ردا منسقا من قبل جميع الحكومات والقطاع الخاص والمجتمع الدولي. إننا بحاجة إلى مزيد من الأدوات لمساعدة وكالات تطبيق القانون على التعاون عبر المناطق القضائية المختلفة حين يهاجم مقتحمو الشبكات الإجراميون وعصابات الجريمة المنظمة الشبكات من أجل الكسب المالي. وينطبق هذا كذلك على الجرائم الاجتماعية حين تكون صور الأطفال العراة واستغلال النساء والبنات اللواتي تتم المتاجرة بهن على الإنترنت معر
المزيد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ